صديق الحسيني القنوجي البخاري
241
فتح البيان في مقاصد القرآن
عينا « 1 » من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم ، فدخلوا حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار من حائطه فجعل يجني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم ، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمّه مع الفاكهة حتى التقط الاثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم ، قال : فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم ، فقال اكتموا عنا فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول اكتم عني ، فأشيع ذلك في عسكرهم ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، وهما اللذان أنزل اللّه فيهما قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ، وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم ولا فائدة في بسط ذلك فغالبه من أكاذيب القصاص كما قدمنا . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 23 ] قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 ) قالَ رَجُلانِ هما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا أو ابن فانيا وكان من الاثني عشر نقيبا كما مر بيان ذلك مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ من اللّه عز وجل ويراقبونه ، وقيل من الجبارين أي هذان الرجلان من جملة القوم الذين يخافون من الجبارين ، وقيل من الذين يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم ، وقيل إن الواو في يخافون لبني إسرائيل أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل وقرىء يخافون بضم الياء أي يخافهم غيرهم . أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا صفة ثانية لرجلان أي أنعم عليهما بالإيمان واليقين بحصول ما وعدوا به من النصر والظفر ، وقيل أنعم عليهما بالعصمة فكتما ما اطلعا عليه من حالهم إلا عن موسى بخلاف بقية النقباء فأفشوه فجبنوا ، وقيل إنها جملة معترضة وهو أيضا ظاهر ، وقيل حال من الضمير في يخافون أو من رجلان . ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي باب الجبارين وامنعوهم من الخروج إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالا بخلاف ما إذا دخلتم عليهم القرية بغتة فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ قالا : هذه المقاتلة لبني إسرائيل ، والظاهر أنهما قد علما بذلك من خبر موسى أو قالاه ثقة بوعد اللّه أو كانا قد عرفا أن الجبارين قد ملئت قلوبهم خوفا ورعبا . وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا أي ثقوا باللّه بعد ترتيب الأسباب ، ولا تعتمدوا عليها فإنها
--> ( 1 ) العين : هو الجاسوس الذي يرسل إلى أرض العدو ليعرف أحوالهم .